إخوان الصفاء
21
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الرجل الخبّ « 1 » العاقل ، قال الملك : حدثني كيف كان حديثه . قال الحكيم : ذكروا أنه كان قوم من الغوّاصين ذهبوا إلى جزيرة يستخرجون اللؤلؤ ، فصحبهم رحيل خبّ ليحتال عليهم فيفوز ببعض ما يستخرجون . فلما بلغوا ما أرادوا وانصرفوا راجعين ، لم يظفر الرجل بشيء مما أراد غير ما وهبوا له من صغار اللؤلؤ لخدمته لهم . ثم إنه خرج عليهم القطّاع في طريقهم ، فلما رآهم الغواصون بلع كلّ واحد منهم ما كان معه من ذلك الجوهر الثمين شفقة من أخذه ، ولم يكن مع الخبّ شيء يشفق من أخذه ، فلم يبلع هو شيئا . فلما أخذهم القطّاع فتشوهم فلم يجدوا معهم شيئا غير صغار اللؤلؤ فقالوا لهم : أين خبأتم الكبار ؟ فقالوا : لم نجد غير هذا ، فقالوا : بل بلعتموها ، فلنشقنّ أجوافكم ، فحبسوهم تلك الليلة ، وعزموا على شق أجوافهم ! فجعل الغواصون يفكرون طول الليلة ، ففكر الرجل الخبّ في نفسه - وكان رجلا عاقلا - فخلا بهم وقال لهم : إني أخبركم بأني ما صحبتكم إلا لكذا وكذا ، فلم أظفر بشيء مما أردت ، وقد علمت بأنه ما من أحد منكم إلّا وقد بلع شيئا غيري ، ولئن شقّ جوف واحد فوجد فيه شيء لنهلكنّ بأجمعنا ! وقد رأيت من الرأي أن أفديكم بنفسي ، فلعلكم تسلمون ، وهو أن أقول لهم : إن كان ولا بد ، فشقّوا جوف واحد ، فإن وجدتم شيئا ، فرأيكم بالباقين ، وإن لم تجدوا شيئا ، فاعلموا أنّا صادقون ، ولكن أمهلونا لنقترع بيننا ، فمن خرجت قرعته ، فدونكم ما تريدون ! فإن أجابوا إلى ذلك احتلت أنا حتى تخرج قرعتي ، وإن تلفت نفسي وسلمتم ، فأسألكم أن تحسنوا إلى ذريتي وتواسوهم مما معكم إذا سلمتم إن شاء اللّه تعالى . ففعل به ذلك فلم يوجد في جوفه شيء وسلم القوم . فأنا ، أيها الملك ، أعلم أنه إن ظفر بنا عدوّنا فأنا هالك لا محالة ، وأنا أرجو إن تمّت حيلتي ، أن يسلم
--> ( 1 ) الخب : المخادع .